يسعدني أن أواصل طرح المصارحات الرمضانية والتي تمتد طــــوال أيام هذا الشهر المبارك ..
هذه المصارحات من كتاب ( مصارحات رمضانية ) تأليف / خالد بن سعود الحليبي ..
المصارحة الخامســـة ( ما أشد قبحها في رمضان ) ..
أخي الصائم :
ما أجمل ليالي رمضان , وما أندى أحاديثها , إذا تجالس الأحباب , ونثروا بينهم ورود الود , وتهادوا رياحين الكلام , يتنقون أطايبه كما يتنقى أطايب التمر كما يقول الفاروق , صفت أرواحهم بالصيام , وطهرت ألسنتهم بالذكر والسلام , واغتسلت جوارحهم بطول القيام , تلاقوا كما تتلاقى الغصون في موسم الربيع , ليس بينهم صخاب ولا سباب , ولا تشوي بينهم أعراض الخلائق , بل تتجاذبهم مشاعر الأشقاء , فيصح بعضهم بعضا , ويدل أحدهم أخا على مايصلح آخرته ودنياه , فإذا بالمنافع تجني كما تجني الثمرات , وإذا المحبة تطفح على الوجوه بالضحكات والبسمات .
هذه هي الصورة المثلى التي يجب أن تكون عليها مجالسنا في كل حين , ولا سيما في رمضان شهر الطهارة من فحش القول , وآفات اللسان ..
ولكن هل هذا واقع كل الناس ...؟؟
لعل الجواب سيكون : لا , وإنما هو حال ثلة منهم , رأوا أن من تمام صيامهم عن المفطرات الصوم عن أعراض الناس والتفكه بها , منصتين إلى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : " من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه " ..
ومن أشد الزور في القول نقيصة الغيبة , التي لم تدع – إلا ما رحم ربي _ مجلساً إلا دنسته , ولا لسانا إلا زلت به , ولا طالحاً ول صالحاً إلا راودته , فلم يسلم إلا قليل .
الغيبة ذلك الوحش الضاري , والعدو الصائل , ينقض على الحسنات فينهشها , وعلى اللحوم البشرية فيأكلها , وعلى المجتمعات الاسلامية فيفرقها ..
الا ترى أخي الصائم كيف تساهل كثيرون في أمرها , حتى أصبحت كأنها عادة اجتماعية متعارف عليها لا تكاد تنكر , فبينما كان الصحابة رضي الله عنهم يتلاقون بالبشر , ويخفظون اعراض بعضهم عند الغيبة , ويرون ذلك أفضل الاعمال , ويرون خلافه من عادة المنافقين , فقد انتشر خلاف ذلك اليوم , فها نحن أو لا نرى كيف يلقي اهل المجلس زائرهم بالترحاب , ويأخذون معه أطراف الأحاديث التي تفوح بالمجاملات , وما أن يودعهم حتى تبدأ وجبتهم الدسمة بلحمه , متناسين مثل قول الله تعالى " ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه .."
ان من العجب حقا أن يصوم أحدنا عن الحلال ويفطر على الحرام , والاعجب من ذلك أن نتظاهر بنزاهتنا عن ابواب الغيبة فندخلها من اسوارها , فالغيبة قد تكون بالاشارة والغمز , والكتابة والحركة والتمثيل , بل هو أشد غيبة كأن يمشي المغتاب مثل مشية أخيه يعيبه , فرسولنا صلى الله عليه وسلم حين حكت له عائشة رضي الله عنها : انساناً قال : ما أحب اني حكيت انسانا وأن لي كذا وكذا " ..
بل من أعجب الغيبة : أن يذكر عنده أحد الناس , فيقول : الحمد لله لم يبتلنا بذنبه , نسأل الله أن يعصمنا من مثل عمله , وانما قصد ان يعيبه بصيغة الدعاء , وربما قدم بمدحه ثم يشير إلى تقصيره , فيكون مغتاباً , ومرائيا , ومزكيا نفسه , فيجمع بين ثلاث فواحش .
أو أن يصغي إلى الغيبة على سبيل التعجب فيزيد من نشاط المغتاب .
أخي الصائم:
ليكن صومنا فرصة لنا لنعالج انفسنا من هذا الداء , فننكرها على الآخرين باللسان أو بالقلب عند عدم القدرة , حتى لا نقع في الاثم العظيم .
وليضع أحدنا نفسه موضوع رجل جعله اهل مجلس موقع تندرهم وضحكهم , فهل يطيق ذلك ؟!
الا تكره نفوسنا كلمة قيلت فينا تعيبنا , سواء أكانت حقا أم باطلا ..؟
فكذلك الناس أخي الصائم القائم لا يرضون لإنفسهم .
وأخيراً هاك هذه الحادثة القصيرة قبل أن أودعك , روي عن الحسن أن رجلا قال له : ان فلاناً قد إغتابك , فبعث اليه رطبا على طبق , وقال : قد بلغني أن أهديتك الي من حسناتك , فا أردت أن أكافئك عليها فاعذرني فإني لا أقدر أن أكافئك على التمام .
الغيبة يا أخي – نار فلا تقربها من حسناتك , لا سيما وأنت تظمى نهارك , وتحيي ليلك , وترخص مالك , لتثقل بها ميزانك ..
........
نفعني الله وإياكم بكل خير ..
في النهاية أحبتي ..
أتمنى من الله العلي القدير أن يقبل صيامنا وقيامنا .
وغدا بإذن الله المصارحة الســـــــــــادســــــــــــة ..