يسعدني أن أتواصل معكم في طرحي اليومي خلال هذا الشهر المبارك طرح المصارحات , والتي إطلعت عليها في كتيب مصارحات رمضانية تأليف الشيخ / خالد بن سعود الحليبي..
المصارحة الرابعــة ( رمضان والضيافة ) ..
أخي الصائم :
رمضان شهر كريم , ومن شأنه أنه يضفي على صوامه بجوه الروحاني الشفاف سماته الجميلة الجليلة , ومنها صفة إكرام الضيف , وهي عادة أصيلة من عادات مجتمعنا الطيب , تتوافق مع روح الاسلام الذي جعل الضيافة حقاً للضيف على المضيف ..
ففي الحديث الصحيح " ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه " ..
إن إكرام الضيوف من مكارم الأخلاق التي يدعو لها ديننا جاء ليعزز شأنها , وينشرها في البشرية , ويوثق علائقها , فأي غربة ستبقى للغريب حين يشعر وهو في طريقه إلى هذه البلاد أن لاه بيوتا سوف يأوي إليها وكأنها ملكاً له , وأن له أهلاً سوف يأنس بهم وكأنهم أهله , فيشعر حينئذ بالأمن والإطئمنان ..
وازدهت صورة الكرم العربي حين جاء رسول الاسلام والاخلاق , فكان أجود الناس بأبي هو وأمي , ولا سيما في رمضان , فما عرف عنه أن ردَّ سائلاً , ولا عبس في وجه ضيف , بل كان يعطي عطاءً من لا يخشى الفقر , وإذا أعياه المال والطعام ولم يجد منهما شيئاً , التفت إلى أصحابه يطلب منهم أن يستضيفوا ضيفه , حتى رسم الصحابة بكرمهم لوحات انسانية كريمة , تتضاءل أمامهم كثير من لوحات الكرم الحاتمي , فماذا بعد أن يؤثر المرء ضيفه على نفسه وعلى أطفاله حتى يبيتوا جائعين ليشبع ضيفهم , بل يوهموه أنهم يأكلون معه فيطفئوا السراج حتى لا يكتشف هذا النبل والكرم العظيم ..
أخي الصائم :
إن مما ينبغي أن يستقر في نفوس المؤمنين أن علاقة المضيف بضيفه هي علاقة عبادة , ولا سيما حينما يكون تفطير صائم , أو تسحيره , فليست إستضافته تطبيقا لعرف من الأعراف , ولا جريا لعادة إجتماعية سائدة , وإنما هي عبادة من العبادات العظيمة , يؤديها ليؤجر عليها ..
ولذلك ينبغي أ، يرعى فيه حقوق الله تعالى , وأن يجتهد في إكرام ضيفه قدر طاقته , ويتجمل معه حسب إستطاعته , فلا داعي أن يستدين ويرهق نفسه وأولاده من أجل أن يظهر أمام الضيق بغير حقيقته , أو من أجل ألا يعاب عليه من عشيرته , فإن مثل هذا البلاء قد استشرى , وإن جزيرة الديون على المعسرين أعظم خطراً من حديث الناس الوقتي الذي يذهب مع الزمن , وعلى الضيف أن يعذر صاحبه , وألا يحمله أكثر من طاقته , فلا يحقرن كل منهما شيئاً مهما قلّ , ول كان مذقة لبن , أو كأس عصير , فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها :
إذا الضيف جاءك فابسم له .... وقرب إليه وشيك القرى
ولا تحقر المزدري في العيون.... فكم نفع الهين المـزدري
وأما الأثرياء فلهم أن يقدموا ما يشاءون من أصناف الطعام القادرين عليها , دون أن يصلوا إلى حد الإسراف, فمن أسرف فقد وقع تحت طائلة قوله تعالى " ولا تبذر تبذيرا, إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا "..
والآية في معرض الإنفاق على الآخرين , وعليه بعد ذلك أن يحفظ نعمة الله التي تبقت , فيأكلها أو يؤكلها أهله أو المحتاجين ..
ولعلنا نجد ذلك الإسراف الوبيل يتضاعف في ولائم شهر رمضان الكريم , حيث تعرض عشرات الأصناف بكميات كبيرة , وربما انتقل إلى طبع دائم في البيوت , فيستأصل كالمرض الذي لا يجدون فكاكا منه ..
وليست الضيافة بالطعام والشراب فقط , بل إن من أجمل القرى وأكمله الحديث مع الضيف والترحيب به , وإزالة الوحشة عنه :
أضاحك ضيفي قبل إنزال رحلــه .... ويخصب عندي المكان جديب
وما الخصب للأضياف كثرة القرى ..... ولكنما وجه الكريم خصيـب
إنه الكريم حقاً ذاك الذي يتناسى كل همومه أمام ضيفه , ويشعره بالراحة معه وحبّ لقياه , مهما كانت ظروفه وعسرها , حتى لا ينكذ عليه حلاوة اللقاء ..
....
نفعني الله وإياكم فيما ذُكر ..
أحبتي أتمنى لكم التوفيق من عند الله سبحانه وتعالى ..
وإلى المصارحة الخامسة غداً بإذن الله وتوفيقه ..