-3-
-الحب-
- بندر ..ما رأيك أن نأخذ قسطا من الراحة .. هذا المضيف أحضر وجبة الغداء .. لنأكل ثم نكمل حديثنا ..!
- فعلا ..بسم الله ..!
- الحمد لله رب العالمين ,, وعندما تحدثت معك على الهاتف ؟
- لم أكن مهتما في البداية ..كان الحديث قصيرا ومتباعدا.. ومع مرور الأيام وتعاقبها تعمقنا في خصوصياتنا وتعرفنا على بعض أكثر وأخذ كلانا يعرف شخصية الآخر , ومما سهل ذلك التوافق الكبير في الميول والاهتمامات بيننا , وبدأ كل منا يسأل عن الآخر ويهتم به ويفتقده إن غاب .
- يعني بدأ الإعجاب المتبادل ..!
- نعم عندما تتحدث مع شخص لوقت طويل وتشعر بقربه منك ومع هذا التوافق الفكري ستعجب به حتما ,, زد على ذلك أنها لم تكن فتاة عادية فقد سحرتني بصوتها وضحكاتها وشخصيتها وأدبها فوق ما تتصور,, هذا من جهة ومن جهة أخرى فهي بنت تتحدث الإنجليزية بطلاقة وترتدي أرقى الماركات العالمية، وزارت أغلب دول العالم المتحضر، وفي الوقت نفسه تفتخر بأصولها النجدية ومحافظتها على دينها وعادات وتقاليد مجتمعها ... وتملك عقلية رزينة ...يعني فتاة خيالية يا فهد ..!
- الله الله ,,
- كان كل منا وكأنه وجد ضالته أو شيئا ما.. ينقصه.. ويحتاج إلى آخر يشاركه طموحاته وأهدافه , وأوشك كل منا بنبل أخلاقه وسمو تعامله أن يتملك قلب الآخر , وشعرت بأن هذه الفتاة مرسلة لي من السماء .
- أحببتها وأنت لم ترها ؟
- بإلحاح مني ورغم رفضها الشديد في البداية .. إلا أنها حرصا على علاقتنا ..أرسلت صورتها ,, ومحمد عبد الوهاب يقول لا يخرج كلام جميل من فم قبيح .. وفعلا اكتملت صورة الملاك عندما رأيتها ..بل إن ثقتي رجعت في بنات بلدي !
- يعني جميلة ؟
- أعجز عن الوصف يا فهد .. فتاة ترى فيها الثقة والشموخ ,, في المرحلة هذه شعرت أني وجدت فتاة الأحلام .. وصرت على رأي إخواننا المصريين طاير من الفرحة طاير ...وأغني مع عبدالحليم حافظ أول مرة تحب ياقلبي وأول يوم أتهنى ..!
- صرت رومانسي يا بندر (يضحك) وبدأ الحب ؟
- نعم .. كنت سمعت حكمة تقول ( إن الحب يستأذن المرأة في أن يدخل قلبها .. ويقتحم قلب الرجل بدون استئذان ) أنا أعلنت حبي لها .. أما هي فشعرت بحبها دون تصريح منها , وكنت أسمع بكاءها وآهاتها يمتزجان بنبرات صوتها الحزينة عندما أطيل الغياب عنها .
- وقابلتها يا بندر ؟
- البنت محافظة إلى أبعد مدى , حتى إنها تصر على قطع أحاديثنا وقت الصلاة حتى أؤديها جماعة في المسجد , ودائما تدعو لي وتطلب مني أن أدعو لها .. أقول ذلك حتى لا يأخذك الخيال بعيدا , نعم قابلتها لمرة واحدة وبعد إلحاح كبير مني وبتخطيط أخذ منا وقتا طويلا , قابلتها في بهو أحد الفنادق وبين الناس حتى لا يكون بيني وبينها خلوة ..!
- وكيف كانت ؟
- كانت مثل الحلم , تجتمع أنت وعشق حياتك في مكان واحد , شعرت أنا وهي بسعادة غامرة وفرحة لا توصف , ولكن انتابني شعور غريب أثناء حديثي معها عن حبنا وعلاقتنا بأن هناك أمرا ما تخفيه عني .. بل تبكي بشكل فجائي وبلا سبب .
- فعلا شيء غريب !
-4-
- المفاجأة -
- اتصلت بي وصوتها يخالطه البكاء وقالت : بندر أريد التحدث معك في أمر مهم , وذكرت أنها مترددة وخائفة أن تخسرني عندما تخبرني بهذا الأمر البالغ الأهمية .. وانهمرت دموعها تعلن انهيارها وقلة حيلتها , تملكتني الحيرة وأصابني الذهول , طلبت منها الهدوء والاطمئنان , وأكدت لها أنه مهما كان هذا الأمر فلن أتخلى عنها أبدا ولا يمكن أن أتنازل عنها بسهولة !
- وأخبرتك بالأمر المهم ؟
- نعم ..أخبرتني أنها على ذمة رجل , ومتزوجة منذ سنتين , كلامها وقع على رأسي كالصاعقة وأصابني بالصدمة , ولم أعد أشعر بالزمان والمكان .. أصبحت أقدم رجلاً وأؤخر الأخرى .. وقفت مذهولا لدقائق ..!
- لا حول ولا قوة إلا بالله ..وماذا فعلت ؟
- مرت أيام حتى استوعبت الخبر الصاعقة الذي هدّ كياني.. وكانت حريصة على معرفة موقفي وأجابت عن الكثير من الأسئلة التي حيرتني .. صارحتني بأنها متزوجة منذ عامين واختلافها مع زوجها هو سبب بقائها عند أهلها طوال هذه الفترة , وأن أهل زوجها مع الأسباب المالية وعدم التحاقه بعمل هي الأسباب الرئيسية للانفصال , وأن أهلها ينصحونها دائما بالعودة لزوجها ولكن شروطها لم تتحقق للعودة ..حتى الآن !!
- وكيف كان موقفك؟
- في هذه الفترة يا فهد أصبت بانكسار كبير وندم شديد .. كيف لا والفتاة الأولى في حياتي والحب الأول كان يخدعني طوال هذه الفترة ..وبدأت أتساءل لماذا أخفت أمر زواجها كل هذه المدة ,ولماذا جعلتني أعيش الوهم والأحلام؟؟ ولماذا لم تصارحني قبل ذلك ؟! عام كامل وهي بين عيني لا أرى إلا هي, تسللت إلى كل أوردتي ونفذت إلى شراييني فلم يخفق قلبي إلا لها ..عام كامل بكل ما فيه من ابتسامات ودموع وحقيقة وخيال وصدق وكذب , عشت مشاعر متناقضة تتنازعني من كل جهة .. مشاعر الحب ..والرحمة .. والألم الداخلي .. تجاه فتاة صغيرة ...لم أستطع أن أرتدي ثوب المعاتب لها , انتابتني جملة من المتناقضات .. نداء من أعماق قلبي بأن تنفصل عن زوجها وتعود لي ... ونداء يحكم العقل بأن تعود لزوجها وتحقق رغبة أهلها فزوجها أيضا هو حبها الأول .. وقد يكون ضحية لضغوط الحياة ومواقف أهله معها كما شرحت لي , وبدأت أنا أتقمص دوراً غير دور العاشق المتيم ؟!
- وماذا كان هذا الدور ؟
- كان هدفي هو أن تتحقق سعادتها , لقد شعرت بالكثير من الألم عند سماعي لظروف زواجها وانفصالها وكانت صغيرة على هذه المعاناة والمصاعب التي واجهتها فكان إصراري على الوقوف معها وعدم التخلي عنها .. وعندما عرفت موقفي فرحت كثيرا وزادت ثقتها بي وأصبحت منصاعة لأوامري وكأني استحوذت عليها وتملكتها , وقفت معها في مرضها وشجعتها على التقدم لأداء الاختبار في الجامعة بعد الانقطاع , بل اني كنت أتحدث معها قبل كل اختبار وأقرأ معها الأدعية والأذكار ..!
- جميل جدا يا بندر..
- كانت كلماتها وإشادتها وثقتها بي وبرأيي تشجعني على الاستمرار.. طلبت منها أن تقترح على خالها أن يقوم بدور وسيط الخير بينها وبين زوجها للتقريب بينهما وبضرورة أن تتخلى عن الكثير من شروطها للعودة إليه وحتى في أدق التفاصيل علمتها , فأنا أعرف ماذا يريد الرجال من زوجاتهم , بل إني وقفت موقف المدافع عن زوجها ..!
- وعادت إليه ؟
- نعم ويصلني منها الشكر والدعاء ورغم سعادتي بما حققته معها , لا تزال صورتها في مخيلتي وحبها تسلل في أعماقي وأصبحت أراها ماثلة أمامي في صورة كل امرأة أشاهدها بل إنها تسكن في الحي ذاته الذي أسكن فيه الآن , لم أستطع الهروب من خيالها أو نسيانها.. ذكرياتي معها تطاردني في كل مكان!! لقد سكنتني من رأسي إلى أخمص قدمي ؟؟
- إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا ..
- ونعم بالله ..
-النهاية - |