| استفتاء ابن مساعد: ملاحظات منهجية أعلنت مساء أمس نتائج الاستفتاء التي أسنده عضو شرف نادي الهلال الأمير عبد الله بن مساعد –الذي يصفه بعضهم بالمثالي-، وصديقه عضو شرف العالمي الأمير فيصل بن تركي، إلى مؤسسة "زغبي" الأمريكية، حول اتجاهات جمهور كرة القدم في السعودية.
وبحسب تصريحات سابقة للأمير عبد الله بن مساعد أن الفكرة ولدت في منزله، حيث كان في جمع من أصدقاءه الذين تصادف أن اغلبهم من مشجعي النصر، وثارت مناقشة حول أي الناديين أكثر جمهوراً –أي العالمي والهلال-، وقرر الصديقان الاتفاق مع مؤسسة "زغبي" لإجراء الاستفتاء الذي من شانه أن يحدد الكثير من التفاصيل حول اتجاهات جمهور كرة القدم في السعودية، ويفيد في تشجيع الاستثمار في الرياضة السعودية.
وقد توقع الأمير عبد الله بن مساعد منذ تلك اللحظة أن ثورة غاضبة ستعقب إعلان النتائج، وباستثناء صاحب المركز الأول فإن البقية كلهم سيغضبون، وسيشككون في صحة الاستفتاء، لكن يؤسفني أن أقول إن هذا الإجراء الاحترازي الذي لجأ إليه الأمير لا يلغي حق المتابع في تسجيل ملاحظاته على الاستفتاء ونتائجه، والعبرة ليست إلا بمدى دقة الملاحظات، وسلامتها المنهجية.
من حيث المبدأ فإن تقييم أي عمل بحثي علمي، بدءاً باستطلاع الرأي، ومروراً بالرسائل المقدمة لنيل الدرجات العلمية، ووصولاً إلى الأعمال البحثية الموسعة، إنما يقوم على تقييم الإجراءات المنهجية التي اتبعت للتوصل إلى النتائج، لا على النتائج نفسها، أما التعليق على النتائج بكونها مخالفة للواقع، أو متعارضة في ذاتها، فهو فرع عن أصل، وجهد من كان معنياً بالهامش، معرضاً عن المتن، لذا فإني سأقدّم تعليقي هنا على المنهجية، وسأقصره تحديداً على اختيار العينة لأنها الخطوة المنهجية الثابتة في مختلف درجات البحوث الكمية –وأدناها استطلاعات الرأي-، تاركاً عن عمد الدخول ضمن ثورة الجدل حول النتائج.
أولى الملاحظات المنهجية على هذا الاستفتاء، وأهمها في رأيي، هو عدم التناسب بين حجم العينة، ومجتمع الدراسة، إذ أن حجم العينة التي قررت المؤسسة استفتاءها بلغت 2500 شخص، مع أن نتائج التعداد السكاني لعام 2004م (1425هـ)، ووفقاً لخطة التنمية الثامنة، الصادرة عن وزارة الاقتصاد والتخطيط، والمعتمدة من مجلس الوزراء، تقول إن حجم السكان في السعودية هو 22.6 مليون نسمة، وان حاملي الجنسية السعودية يشكلون 73% منهم، أي 16.5 مليون مواطن، ومواطنة، بمعنى أن العينة التي اختارتها المؤسسة تمثل (0.00015 %) من مجتمع الدراسة، بافتراض اقتصار المجتمع على السعوديين فقط، أي أن كل فرد في العينة يفترض أن يمثل أكثر من 6500 فرد آخر من مجتمع الدراسة، واستطيع أن أقول بثقة لا يمكن لأي لجنة علمية أن تجيز هذا الحجم للعينة، سواء كانت هذه اللجنة في واشنطن، أو في مقديشو.
الملاحظة الثانية التي تتعلق بالعينة هي أنها بحسب ما أعلنت مؤسسة "زغبي" أخذت من عشر مناطق سعودية، وهذا يعني انه تم استبعاد ثلاث مناطق، هي الجوف والحدود الشمالية والباحة، دون توفر أي مبرر علمي، أو موضوعي، وهذا طعن آخر في كفاءة تمثيل العينة للمجتمع السعودي.
الملاحظة الثالثة هنا أن المؤسسة صرحت بأنها اختارت نسب تمثيل متفاوتة للمناطق العشر، ويكفي هنا أن أشير إلى أن 68% من أفراد العينة تم أخذهم من منطقتين فقط هما الرياض، ومكة المكرمة، وأن أشير إلى أن المناطق الجنوبية الثلاث التي شملها الاستفتاء (عسير، ونجران، وجازان) مجتمعة، شكل المنتخبون منها نسبة معادلة لمنطقة واحدة هي القصيم، إذ بلغت هذه النسبة 5% فقط، من حجم العينة الإجمالي، وهذه الملاحظة كما تطرح تساؤلاً حول الأسس العلمية التي اعتمدت عليها المؤسسة في هذه الخيارات، فإنها تشكل مقدمة منطقية لاستنتاج مفاده أننا أمام عيب منهجي ثالث في اختيار العينة.
الملاحظة الرابعة –في شأن العينة- تتعلق بتحديد نسبة الذكور ب75%، دون أي مبرر علمي، فإذا كان المقصود أن كرة القدم في السعودية تقتصر ممارستها العلنية على الرجال، ولا يسمح بدخول ملاعبها إلا لهم، فكان من الواجب إذن أن يقتصر الاستفتاء على الرجال، وإن كان المقصود هو الاعتماد على أصل مجتمع الدراسة، فإن خطة التنمية الثامنة أشارت إلى أن احدث إحصاء، جرى في عام 2004م، كشف أن نسبة توزيع الجنس في السعودية هي 101 ذكر مقابل كل 100 أنثى، وبالتالي فإنه مرة أخرى، لا يسع باحثاً أن يقبل هذا التوزيع الذي اختارته المؤسسة.
والخلاصة هنا أن جميع هذه الملاحظات لا تقدح في مشروعية الاستفتاء، وحق من يشاء أن يعتمد على نتائجه، وإنما المقصود أن هذه الملاحظات تسقط صفة العشوائية عن العينة المختارة، وبالتالي فيسقط عنها تمثيل مجتمع الدراسة، أي أن جميع النتائج التي أظهرها الاستفتاء لا تمثل أكثر من آراء 2500 شخص، ولا يجوز بحال تعميمها على باقي المجتمع السعودي، وهو ما يفرغ المشروع كله من قيمته الفعلية، فلا يمكن لمستثمر عاقل، أو باحث جاد، أو متابع موضوعي، أن يعتمد على أرقام استطلاع متواضع المنهجية إلى هذه الدرجة.
بقي أن أقول بصفتي احد مشجعي العالمي، إن الأمير فيصل بن تركي مدعو إلى المبادرة بتقديم تفسير واضح لموقفه من هذا الاستفتاء، تفسير يتخطى مجرد محاولته غير الموفقة لربط النتائج بحصول الهلال على كأس ولي العهد. | | |